فخر الدين الرازي
32
تفسير الرازي
البشرية متصلة بأول درجات الملكية ، فلما انتهت الأرواح البشرية إلى أقصى غاياتها وهي مرتبة السبق اتصلت بعالم الملائكة وهو المراد من قوله : * ( فالمدبرات أمراً ) * فالأربعة الأول هي المراد من قوله : * ( يكاد زيتها يضيء ) * ( النور : 35 ) والخامسة : هي النار في قوله : * ( ولو لم تمسسه نار ) * ( النور : 35 ) . واعلم أن الوجوه المنقولة عن المفسرين غير منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصاً ، حتى لا يمكن الزيادة عليها ، بل إنما ذكروها لكون اللفظ محتملاً لها ، فإذا كان احتمال اللفظ لما ذكرناه ليس دون احتماله للوجوه التي ذكروها لم يكن ما ذكروه أولى مما ذكرناه إلا أنه لا بد ههنا من دقيقة ، وهو أن اللفظ محتمل للكل ، فإن وجدنا بين هذه المعاني مفهوماً واحداً مشتركاً حملنا اللفظ على ذلك المشترك : وحينئذ يندرج تحته جميع هذه الوجوه . أما إذا لم يكن بين هذه المفهومات قدر مشترك تعذر حمل اللفظ على الكل ، لأن اللفظ المشترك لا يجوز استعماله لإفادة مفهومية معاً ، فحينئذ لا نقول مراد الله تعالى هذا ، بل نقول : يحتمل أن يكون هذا هو المراد ، أما الجزم فلا سبيل إليه ههنا . الاحتمال الثاني : وهو أن تكون الألفاظ الخمسة صفات لشيء واحد ، بل لأشياء مختلفة ، ففيه أيضاً وجوه الأول : النازعات غرقاً ، هي : القسي ، والناشطات نشطاً هي الأوهاق ، والسابحات السفن ، والسابقات الخيل ، والمدبرات الملائكة ، رواه واصل بن السائب : عن عطاء الثاني : نقل عن مجاهد : في النازعات ، والناشطات ، والسابحات أنها الموت ، وفي السابقات ، والمدبرات أنها الملائكة ، وإضافة النزع ، والنشط ، والسبح إلى الموت مجاز بمعنى أنها حصلت عند حصوله الثالث : قال قتادة : الجميع هي النجوم إلا المدبرات ، فإنها هي الملائكة . المسألة الثانية : ذكر فالسابقات بالفاء ، والتي قبلها بالواو ، وفي علته وجهان الأول : قال صاحب " الكشاف " : إن هذه مسيبة عن التي قبلها ، كأنه قيل : واللاتي سبحن ، فسبقن كما تقول : قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سبباً للذهاب ، ولو قلت : قام وذهب لم تجعل القيام سبباً للذهاب ، قال الواحدي : قول صاحب " النظم " غير مطرد في قوله : * ( فالمدبرات أمراً ) * لأنه يبعد أن يجعل السبق سبباً للتدبير ، وأقول : يمكن الجواب عن اعتراض الواحدي رحمه الله من وجهين : الأول : لا يبعد أن يقال : إنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيرها وإصلاحها ، فتكون هذه أفعالاً يتصل بعضها ببعض ، كقولك قام زيد ، فذهب ، فضرب عمراً ، الثاني : لا يبعد أن يقال : إنهم لما كانوا سابقين في أداء الطاعات متسارعين إليها ظهرت أمانتهم ، فلهذا السبب فوض الله إليهم تدبير بعض العالم الوجه الثاني : أن الملائكة قسمان ، الرؤساء والتلامذة ، والدليل عليه أنه سبحانه وتعالى قال : * ( قل يتوفاكم ملك الموت ) * ( السجدة : 11 ) ثم قال : * ( حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ) * ( الأنعام : 61 ) فقلنا في التوفيق بين الآيتين : أن ملك الموت هو الرأس ، والرئيس وسائر الملائكة هم التلامذة ، إذا عرفت هذا فتقول : النازعات ، والناشطات